أدى تفجير انتحاري وقع في الخامس من مارس عام 2007 إلى تفجير عدد من السيارات في بغداد والعراق، وراح ضحيته 26 شخصًا وإصابة مئات آخرين، بيد أن هذا التفجير -على عكس عشرات التفجيرات التي وقعت قبله- استهدف أحد أسواق الكتب القديمة التي تُقام خارجًا في حي المدينة القديم الذي يطلق عليه اسم شارع المتنبي.

وقد سُمي هذا الشارع باسم شاعر عراقي نال حب الناس، وُلد عام 915 بعد الميلاد وترك وراءه عددًا من الكتب عن الشجاعة وفلسفة الحياة ومجد المعارك، كما أن هذا الشارع -الذي يُعد قلب المجتمع الفكري في العراق وروحه- سُمي "رئة بغداد الثالثة"، فهو متنفّس العلماء والمتعلمين فيها، وهو يحمل روح المكتبة رغم عدم احتوائه على سقف أو جدران.

وقبل الهجوم، قد تنتاب الزائر القادم إلى شارع المتنبي للمرة الأولى الدهشة سريعًا بسبب حجم المواد المطبوعة الهائل المكدسة منها والمنثورة والتي يعرضها البائعون للبيع في الأكشاك على طول الشارع المصفوف بالأعمدة والفجوات التي توضع بها الكتب، وكان الرجال يتلون الشعر في السوق المُقام في الخارج، والطلاب يتسوقون ما يحتاجونه من اللوازم المدرسية، وربما توقف آخرون لأخذ استراحة في أحد المقاهي أو محلات بيع التبغ الموجودة على طول الطريق في الشارع.              

ورأى كثيرون ممن ينتمون إلى المجتمع الأدبي أن وكالات الأنباء الدولية نقلت التفجير على أنه مجرد الاعتداء الإرهابي الأخير على المدينة، وليس اعتداءً على حرية التعبير والتعلم ذاته.

واستجاب لذلك بو بوسوليل بائع الكتب المقيم في سان فرانسيسكو من خلال حث الآخرين على وضع تعبيرات أدبية من إنشائهم لدعم أهل شارع المتنبي وشعب العراق وإلى تضامنهم معهم. وقد نتج عن نداء بوسوليل في بادئ الأمر 130 عملاً مطبوعًا يتناول كل عمل منها قتيلاً أو جريحًا من ضحايا هذا التفجير. وظل المشروع في التزايد وجذب عشاق الأدب. وقد عُرضت مطبوعات وكتب فنانين خاصة بمعرض "شارع المتنبى يبدأ هنا" في العديد من المدن بالتعاون مع دور القراءة. وكان معرض "شارع المتنبي يبدأ هنا" لعام 2016 الذي أُقيم في واشنطن العاصمة معرضًا تذكاريًا طال جميع أنحاء المدينة وتضمن أطول قوائم الفعاليات وأكثرها تنوعًا إحياءً لذكرى التفجير.

معرض "هيا نلتقي: "فنانون أمريكيون يستجيبون لشارع المتنبي"
معرض "هيا نلتقي: "فنانون أمريكيون يستجيبون لشارع المتنبي" في متحف سميثسونيان للفن الأمريكي ومعرض اللوحات القومي. تصوير: مارينا سانشيز.

وفي سميثسونيان، تضمن ذلك معرضًا يضم كتبًا ومطبوعات لأكثر من 30 أديبًا أمريكيًا برعاية آن إيفينهاوغن، مديرة مكتبة الفن الأمريكي ومعرض الصور التابعة لمؤسسة سميثسونيان. وقد استضافت المكتبات كذلك قراءات تذكارية حافلة وعروضًا موسيقية في الذكرى السنوية التاسعة للتفجير.

قامت آن بتنظيم معرض مكتبات سميثسونيان تحت مسمى "هيا نلتقي: فنانون أمريكيون يستجيبون لشارع المتنبي" من خلال أكثر من 600 كتاب وعمل آخر في مخزن معرض "شارع المتنبي يبدأ هنا". وتناولت العديد من الأعمال المعروضة موضوعات الانتعاش والتعافي، بل دعت أيضًا للتذكير بصورة الشارع نفسه وهو في أحسن أحواله كمركز أدبي. ومن المعلوم أنّ حاملات الرسالة؛ وهي الكتب -التي استهدفها القصف مثلما استهدف الأشخاص- تساعد في ربط أولئك الذين لا يعرفون شارع المتنبي من خلال وسيلة مشهورة للغاية.

وقالت إيفينهاوغن إن: "للمكتبات هدفًا يحاكي شارع المتنبي في دوره الذي يؤديه في بغداد: بوصفه مقصدًا للتعلم والقراءة والتحدث ومكانًا محايدًا لتبادل الأفكار". "هناك موضوع يدور حول [معرض] حرية التعبير بل الحرية عمومًا، وما سيحدث عند غلقه".

في سوق بائع الكتب بقلم ديفيد ألين سوليفان.
في سوق بائع الكتب بقلم ديفيد ألين سوليفان. تصوير: مارينا سانشيز.

وبدعم من مؤسسة دوريس دوك تشاريتابل ووكالة "الوقف الوطني للفنون" وجامعة جورج ماسون ومفوضية واشنطن العاصمة للفنون والعلوم الإنسانية وبالتعاون مع ما يربو على اثني عشر شريكًا -من بينهم كلية الفنون التابعة لجامعة جورج ماسون ومركز سميث للمعالجة والفنون ومؤسسة سبلت ذيس روك، فقد عملت بوسوليل مع هيلين فريدريك وسارة براوننغ العاملتين بمؤسسة سبلت ذيس روك لرعاية إقامة هذا المهرجان، كما عملت مع إيفينوجن وسلفها دوغ ليتس. ويهتم فريدرك -وهو أستاذ في جامعة جورج ماسون ومؤسس مركز كتب الفن المعاصر والطباعة بيراميد أتلانتيك، اهتمامًا شديدًا بمساندة حرية التعبير في جميع أرجاء العالم من خلال الفنون وإمكانيات معرض "شارع المتنبي يبدأ هنا" لتعزيز الأفكار الإيجابية عن الشرق الأوسط.

وقال فريدريك: "لا يوجد فقط مزيجٌ من التضامن والحزن والخسارة، ولكن أيضًا نهج جديد لفهم الموضوعات". وقد عمل معرض "شارع المتنبي يبدأ هنا" الذي عُقد في واشنطن العاصمة -أثناء العشرات من معارض الفن والمناقشات وعروض الأفلام الخاصة بهذا الصدد القائمة ضمن فعاليات المعرض- على "تشجيع الردود التي لا تأتي عادةً من هذه الأنواع من المعارض، فهذا المعرض ليس مجرد معرض للمطبوعات أو الكتب؛ فهو يحكي التاريخ ويحمل المعاني الرفيعة والتعقيد المتميز الذي يعمل على تقويض كل أشكال التحيز وإزالة الحواجز والانفتاح على الآخر".

دورة الرقابة بقلم دينا شيل.
دورة الرقابة بقلم دينا شيل. تصوير: مارينا سانشيز.

وعكست الأعمال التي أعقبت الهجوم كلاً من أثر الخسائر التي تكبدتها منطقة الشرق الأوسط والإيمان بقوة الكتب والقراءة والكتابة فيها، ومن بين الكتب المعروضة كتاب "النظر إلى الوراء؛ مهب الريح؛ الاحتفال" لصاحبه ستيفاني ماهان ستيغليانو، ويعرض هذا الكتاب وابلاً من الطوابع وقصاصاتٍ من الورق ونسيجًا يتفجر من كتاب البطاقات البريدية، وفي عدد قليل من الحالات، عرض أحد الملصقات الكبيرة تحت عنوان "شارع المتنبي" بقلم كيلي نيلسون صورًا لثلاث نساء يرتدين عباءات طويلة وتحمل كل منهن طلبًا لتكون ضمن ضباط الشرطة، وتم إنشاء الصور الظلية لهؤلاء النساء من خريطة متراكبة لبغداد، مع ظهور عبارة "العيش في خطر" على الأوراق التي حملنها.

وأضافت إيفنهاوجن قائلةً: "كان هدفنا -من خلال عرض هذه الأعمال الفنية هنا- إلقاء الضوء بصورة أفضل على التهديدات التي تواجهه الحريات التي ننادي بها في هذا الجزء من العالم، وقد تمثل الهدف الصريح وراء تفجيرات عام 2007 في إعاقة حرية القراءة والتعلم ومناقشة الأفكار، أيمكنكم تخيل الوضع لو حدث ذلك هنا؟"

وقالت ماريا بيسانو -التي احتضن معرض مكتبات سميثسونيان أعمالها "سبع رحلات" و"فُقِد ووُجِد"- إنها تأمل في إيصال الأسى الذي انتابها عندما علمت بأمر الهجوم من خلال أعمالها، وأضافت أن تدمير الذكريات والمعرفة التي غمرت شارع المتنبي كان بمثابة محاولة لإخضاع السكان والسيطرة عليهم.

فُقِد ووُجِد بقلم ماريا بيسانو.
فُقِد ووُجِد بقلم ماريا بيسانو. تصوير: مارينا سانشيز.

في ضوء ذلك قالت بيسانو: "بالنسبة إلى المواطنين العراقيين هنا وفي الخارج، فلا أستطيع حتى تخيل كيف يتعاملون مع الهجمات الإرهابية المتواصلة". وأضافت قائلةً: "بالنسبة لي، فإنّ الكتب تمنحني وسيلةً للتكيف مع مسألة الموت والصدمات، التي أستخدمها كآلية للتعامل مع هاتين المسألتين ولبدء التعافي منهما. آمل أن تثبت الأعمال التي أعرضها أنا وغيري من الفنانين الحاضرين أنه لا يزال هناك عالم من الممكن أن تسود فيه حقوق الإنسان ويعم السلام.

وقد عُقدت قمة معرض "شارع المتنبي يبدأ هنا" في الذكرى السنوية التاسعة للتفجير الذي وقع أثناء القراءة التذكارية السنوية -التي أقامتها مؤسسة سميثسونيان- وهي أمسية عاطفية لقراءة الكتب والتراجم والمسرحيات والمناقشات وعرض فيلم قصير يسمى "نغفر ولن ننسى!" لأمل الجبوري، وهي شاعرة عراقية وناشطة سلام. 

وقالت إيفنهاوجن: "لقد جذبت القراءة التذكارية الجماهير الذين لا يخرجون عادةً لحضور مثل هذه الفعاليات، ومن بين الحاضرين من لم يتمالك نفسه عن الاسترسال في البكاء، فلقد كانت هذه المناسبة مناسبةً مأساويةً، بيد أن قيمتها تتمثل في القدرة على التشجيع على نيل قدر من التعافي وتسهيل عملية التعلم والفهم".

فُقِد بقلم مادي روزنبرغ
فُقِد بقلم مادي روزنبرغ تصوير: مارينا سانشيز.

كان موسى الناصري من بين الأشخاص الذين شاركوا في فعاليات القراءة التذكارية بإلقائه كلمة في كل عام خلال إحياء الذكرى السنوية للتفجير، وكان قبلها يقيم في بغداد ويعمل تاجر لوازم قرطاسية ومكتبية في ذات الشارع، ولم يبعد عن السيارة عند انفجارها سوى مائة قدم، وفقد في هذا الهجوم العديد من الأصدقاء والزملاء المقربين.

وهو يعمل الآن معلمًا للغة العربية في ولاية فرجينيا، بعد أن هاجر إلى الولايات المتحدة بعد مرور عدة سنوات على الهجوم، وكتب في مقال ساهم به في مختارات أدبية عام 2012 أن الجهد المبذول كي يستعيد شارع المتنبي مكانته السابقة هو نسيم عليل للمستقبل.

وكان مما جاء في مقاله "يتعين علينا ألا ننسى المثل المشهور الذي يردده المفكرون العرب كافة أنّ "مصر تكتب ولبنان تطبع والعراق يقرأ". والجهود العظيمة المبذولة للرجوع بهذا الشارع إلى سابق عهده تنعش روحي وتمدني بالصبر وتبعث فيّ الاطمئنان بأنه في يوم من الأيام سيعود هذا الشارع العريق إلى مكانته السابقة حتى يواصل دوره الفكري والثقافي وحتى يصير نهرًا ينتهل منه المفكرون والعلماء والمثقفون".

تعرّف على المزيد عن: شارع المتنبي يبدأ هنا
مقابلة موظفينا: آن إيفنهاوجن، هيلين فريدريك
إغلاق